التعليمُ المُحَاصَرُ بينَ لغةِ الفرنسيسِ ومَهزلةِ الَّلهجةِ العَاميةِ

"إِنَّ الـمُثَقَّفِينَ العَرَبَ الَّذِينَ لَـمْ يُتْقِنُوا لُغَتَهُمْ لَيْسُوا نَاقِصِي الثَّقَافَةِ فَحَسْبُ، بَلْ فِي رُجُولَتِهِمْ نَقْصٌ كَبِيرٌ وَمُهِينٌ أَيْضاً"
                                                                                            طه حسين (1889-1973)
الدعاةُ من السفهاء أذناب وخدام وعملاء الاستعمار الفرنساوي إلى التدريس بالعاميةِ واللهجاتِ المستهجنةِ المخترقةِ والتفرنيسِ الـمُذِلِّ، هم أشد أعداء اللغة العربية الفصحى والقرآن الكريم والأخلاق خاصة منها الحياء، لتأثرهم بقيم المجتمعات الغربية، واقتفائهم عاداتها، وتقليدهم إياها في أساليب حياتها، ولجهلهم بأبسط قواعد اللغة العربية لدرجة تثير الشفقة والضحك حتى الاستلقاء على القفا، لهذا تراهم يسارعون للاستنجاد بلغة أسيادهم الفرنسيس مُطَعَّمَةً باللهجات المحلية والعامية والأساليب الركيكة، وهؤلاء هم من ألد خصوم  مبدإ التعريب، ويترافعون للدفاع عن خطاياهم وزلاتهم التي لا تغتفر تجاه الوطن ودينه وقيمه وحضارته وتاريخه بانفعال وحماس شديدين، منادين بأن الدعوة إلى التعريب دعوة إلى التخلف العلمي والجمود الفكري، معللين ذلك بقصور اللغة العربية الفصحى وصعوبة تعلمها وتعقيد قواعدها وعجز أدواتها عن التعبير، وبكونها لغة جامدة غير متطورة، وقفت مادتها وقوالب التعبير فيها عند حد لا يمكنها من مواكبة العلوم الحديثة أو الوفاء بوسائلها اللغوية.
ويعتبر هذا الطابور الفرنساوي -المستلب فكريا وثقافيا إلى أقصى الحدود، والملتصق جنينيا بماماه فرنسا بحبل سري لدرجة أنه لا يمكنه الانفصال عنها وإلا هلك- أن حجب اللغات الأجنبية هو عزل لمسيرة التطور العلمي من خلال إهمال لهذه اللغات وإبعادها وإخراجها من الحسبان في ميادين العلوم والفكر والثقافة، ويؤمن أن هذه اللغات هي الأداة الأساسية والفعالة التي تمكن من ملاحقة ما يجري في العالم من نشاط علمي يزيد من معارف المجتمع وينمي قدراته وطاقاته، ويدفع به إلى التعمق والتجويد، وأي زحزحة لهذه اللغات عن الساحة العلمية سوف تستتبع حتما حصرنا في دائرة ضيقة تحدها أسوار العزلة التي تعني الجمود.

إلا أن القول بقصور اللغة العربية أو عجزها عن أداء دورها في مجال التعريب هو قول خال من الانصاف وتعوزه الحجة الدامغة والبرهان الكارتيزي الصلب الراسخ، وهذا الادعاء قد يصدر عن واحد من اثنين، فقد يدعيه إنسان تنقصه المعرفة بحقيقة اللغة وطبيعتها، وما ينبغي أن تكون عليه علاقتها بمجتمعها الذي تعيش فيه، أو يروج له مخدوع تابع لأسياده تبعية مطلقة عمياء، لا شخصية ولا اعتبار له، كل ما يهمه هو الانتصار لكل ما هو أجنبي ويرمي إلى التقليل من شأن المقومات الحضارية للأمة.

وأوجه النقص والقصور في أية لغة لا ترجع إلى هذه اللغة بذاتها، بقدر ما تنسب إلى أهلها وإلى الظروف العلمية والثقافية التي تلقاها وتتفاعل معها، فكلما حرص أهلها على الاعتناء بها وإمدادها بالزاد، وكلما ازدهرت البيئة المعينة بالنشاط العلمي والثقافي، نهضت اللغة واستجابت لهذا النشاط، وأخذت في استغلال طاقاتها من الوسائل اللغوية اللازمة للوفاء بحاجاتهم، وكلما جمد التفكير العلمي وتخلف النشاط الثقافي، ظلت اللغة في موقعها جامدة لا تُبدي حراكاً، ولا تُقدِّمُ زاداً، لأنها بذلك قد فَقَدَتْ عوامل النمو وحُرِمَتْ من عناصر النضج، إن اللغة تعطي وتأخذ، ولا يمكن أن يستمر دورها في العطاء إذا ما حُرِمَتْ من المنح وتقديم الزاد.

وعندما يقل حتى يكاد يكون منعدما الابتكار ويخفث نور التفكير العلمي المبدع، ويقنع العلماء والمفكرون والمثقفون بالتقليد والنقل من اللغات الأجنبية، فمن الطبيعي أن يستتبع ذلك حتما نقل الوسائل اللغوية المعبرة عنها، واستخدام مصطلحاتها الفنية، مما يمهد تلقائيا للتبعية في التفكير العلمي ومن تم التبعية اللغوية.

والحق يقال أن دعاة ومناصري الدعوة إلى استعمال اللغات الأجنبية  في دراسة العلوم لم تنبعث من عدم إمكان تيسير استعمال العربية في العلوم الجديدة، وإنما منبعثة من إعجابهم واستسلامهم للحضارة الغربية.

فالتعريب ليس الهدف منه التخلي كليا عن تعلم اللغات الأجنبية، بل على العكس من ذلك يجب الحفاظ على تعلم اللغات الأجنبية وإجادتها بالقدر الذي يسعف المهتمين بالشؤون العلمية، ويمكنهم من فتح نوافذ جديدة تصلهم بالعالم من حولهم، وتمنحهم فرصة المساهمة والتفاعل مع الأجواء العلمية هنا وهناك، والفرق كبير بين إجادة لغة للإفادة منها وبين فرضها فرضا على معاهد العلم، مما يؤدي بالضرورة إلى سيطرة هذه اللغة على المقومات العلمية والثقافية والفكرية للبلد، وإلى تهميش وهجر اللغة العربية الفصحى، فيجف ماؤها وينضب معينها، فتكف عن المنح والعطاء، ومن ثم يجد المعارضون الفرصة سانحة لرفع أصواتهم، معلنين عجز العربية وقصورها عن أداء دورها في هذا المجال.

ويجب أن يدرك طابور الخدام الأوفياء وأزلام  وعملاء الفرنسيس بالمغرب العربي  المسلم الداعمين للسخافة والركاكة على أن الغرض الأسمى من معرفة قواعد اللغة العربية الفصحى يتجلى فيما أكده الفيلسوف الألماني 'يوهان غوتليب فيشته' (1762-1814) عندما قال:"إن اللغة هي مصدر قوة الأمة، وأن اللغة تجعل من الأمة الناطقة بها كُلاًّ مُتراصّاً خاضعا لقوانين، إنها الرابطة الحقيقية بين عالم الأجسام وعالم الأذهان"، لذلك فإن اللغة العربية الفصحى المنضبطة بقواعدها وبنحوها وصرفها وإملائها يصونان اللسان عن الخطأ في الكلام، ويعصمان القلم عن الزلل في الكتابة، وعلوم البلاغة تهدي إلى تفهم إعجاز القرآن الكريم، وتعين على تذوق الفن والجمال في روائع الشعر وبدائع النثر وخوالد الأمثال والحكم، وعلم العروض يُعرف به صحيح وزن الشعر من فاسده، واللغة بحر يمد الكاتب بدرر الألفاظ ليصطفي منها ما يجعل كلامه أكثر وضوحاً وإشراقا، والأمثال كنز ثمين من تراثنا القديم مليء فطنة وحكمة وتجربة.
وتمتاز اللغة العربية الفصحى بعذوبة ألفاظها، وجمال تراكيبها الكلامية ومحسناتها البديعية، مما يجعل دراستها رغبة في تذوق جمالياتها والتحلي بتطبيقاتها، إضافة إلى آثارها التربوية العميقة في غرس الفضائل الخلقية، ونبذ الرذائل السلوكية، من خلال أدب اللغة العربية الفصحى الذي يزخر بفيض من الحكم والأمثال والقصائد والنثر الذي يشحذ الهمم نحو اكتساب الفضائل والتمثل بها، من صدق وأمانة وكرم وعفة ونحو ذلك.

وقد انفردت اللغة العربية الفصحى من بين لغات العالم بخصائص انفردت بها عن غيرها، وسَمَتْ بها غاية السمو عن لغات الدنيا، وأصبحت بينها كالقمر بين الكواكب تتضاءل الأنوار من حولها، وكأنها القطب والكل في فلكها يدور.

يقول مصطفى صادق الرافعي (1880-1937) في تاريخ آداب العرب: "ولكنا إذا اعتبرنا لغتهم (العرب) رأينا حقيقة التمدن فيها متمثلة، وشروطه في مجموعها متحققة، فهي منهم البحر الذي انصبت فيه جميع العناصر، وانبعث بها هذا التيار العقلي الذي يدفع بعضه بعضاً، وكأنها هي التي كانت تهذب نفوسهم وتزنها، وتعدلها وتخلصها برقة أوضاعها وسمو تراكيبها، حتى ينشأ ناشئهم في نفسه على ما يرى من أوضاع الكمال في لغته، لأنه يتلقنها اعتياداً من أبويه وقومه، ولهيَ أقوم على تثقيفهم من المؤدب بأدبه، والمعلم بعلمه وكتبه، لأنها حركات نفسية على مدارها انجذاب الطبع فيهم".

ومن خصائص اللغة العربية اتساع معجمها اللفظي، فللمعنى الواحد ألفاظ متعددة، إذا تعسر على المتكلم لفظة أتى بمرادفها، سواء كان مصدر التعسر النسيان، أو عدم القدرة على نطق بعض الحروف، وتلك منقبة تربوية لهذه اللغة، إذ تجعل المتكلم بها شجاعاً في خطابه بقدر سعة إلمامه بمفرداتها، فلا يهاب التلعثم، ولا النسيان، وتزيل الخوف عمن يصعب عليه نطق بعض الحروف، حيث من مقدوره أن يعمد إلى مترادفاتها التي خلت مما يعجز عن لفظه من الأحرف.

 ومن يتتبع تراكيب هذه اللغة ويتدبر أثر الأسباب اللسانية فيها، لا يجد كلاماً يعدل كلام العرب في العذوبة والبيان، وفي الاختصار، ونهج التأليف بين حروف الكلمة الواحدة وعذوبة اللغة العربية، وجمال ألفاظها، وحسن تركيب عباراتها على مستوى الجمل أو على مستوى مكونات الكلمة من الحروف.

والمتمعن في اللغة العربية وفروع علومها يجد أنها وعاء عميق للتربية الخلقية، وهجر الرذائل السلوكية، وأن العناية بها عناية بالأخلاق والسلوك، وأن رعايتها رعاية للتربية الخلقية؛ ذلك أن لها أثراً عظيماً وفاعلاً في بث الفضائل الخلقية، التي يمكن إيضاحها على سبيل التفريع الإجمالي لا التفريع المبسوط.

فإن كانت في كل أسبوع تموت لغة في العالم، فإن اللغة العربية  الفصحى تعتبر أغنى اللغات على وجه الأرض، وهي لغة آدم عليه السلام، وتسمى اللغة الأم في جامعة لندن، وهي اللغة الباقية التي سوف تعيش وتعمر بعد اندثار كافة اللغات، لهذا لجأ الغرب الصليبي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا إلى تخزين المعلوماتات والأرشفة باللغة العربية. 
وليس من المستغرب أن يقول في مدحها الفيلسوف والمؤرخ والكاتب وعالم الآثار والناقد الأدبي والمستشرق الفرنسي الغني عن التعريف 'أرنست رينان' (1823-1892) ما لم يقله أحد قط في أي لغة أخرى: "اللغةُ العربيةُ بدأتْ فجأةً على غايةِ الكَمَالِ، وهذا أغربُ ما وقعَ في تاريخِ البشرِ، فليسَ لها طفولةٌ ولا شيخوخةٌ"
وقال أيضا في وصفها وصفا في غاية الروعة والجمال المستشرق الفرنسي 'وليم مرسيه' (1872-1956): "العبارةُ العربيةُ كالعودِ، إذا نَقَرْتَ على أحدِ أوتارهِ رَنَّتْ لديكَ جميعُ الأوتارِ وَخَفَقَتْ، ثم تـُحَرِّكُ اللغةُ في أعماقِ النفسِ مِنْ وراءِ حدودِ المعنى المباشرِ مَوْكِباً من العواطفِ والصورِ". 
أما السوسيولوجي الأمريكي اليهودي من أصل مجري (1910-1996) الذي كان يجيد تسع لغات العربية، الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية، الهندية، الآرامية، العبرية، الفارسية والروسية فيقول في كتابه 'العقل العربي' The arabic mind الصادر في نيويورك سنة 1976: "إنني أَشْهَدُ من خِبْرَتِي الذَّاتِيَّةِ أنهُ ليسَ ثمةَ من بينِ اللُّغاتِ التي أعرِفُها لغةً تكادُ تقتربُ من العربيةِ سواء في طاقَتِها البيانِيَّةِ أم في قُدرتها على أن تَخترِقَ مُستوياتِ الفَهمِ والإدْراكِ ، وأن تَنْفُذَ وبِشَكْلٍ مُباشِرٍ إلى المَشَاعِرِ وَالأَحَاسِيسِ تَارِكَةً أَعْمَقَ الأَثَرِ فِيهَا".
وأعرج بما عبر عنه في هذا الصدد أشهر المستشرقين الفرنسيين 'لويس ماسينيون' (1883-1962) عندما قال: "اللغةُ العربیةُ هي التي أَدخَلتْ إلى الغَرْبِ طَریقةَ التَّعْبِیرِ العِلْمِي، والعربیةُ مِنْ أَنْقَى اللُّغَاتِ، فَقَدْ تَفَرَّدَتْ فِي طُرُقِ التَّعْبِیرِ العِلْمِي وَالفَنِّي وَالأَدَبِي".
وأختم هذا المقال برأي الكاتبة المستشرقة الألمانية 'زيغريد هونكه' (1913-1999) صاحبة الكتاب الدائع الصيت 'شمس الله تشرق على الغرب' الذي تطرقت فيه إلى تأثير حضارة العرب وعلمائهم واختراعاتهم على الحضارة الغربية، وأظهرت من خلاله على أن كل ما توصلت إليه الحضارة الغربية في العصر الحالي مرتبط بالحضارة الإسلامية، مع ما رافق ذلك من تأثر اللغات الأوروبية باللغة العربية وحضارة الأندلس، فتقول بحق اللغة العربية: "كيفَ يستطيعُ الإنْسانُ أنْ يُقَاوِمَ جَمَالَ هَذِهِ اللُّغَةِ وَمَنْطِقِهَا السَّلِيمِ وَسِحْرِهَا الفَرِيدِ؟ فَجِيرَانُ العَرَبِ أَنْفُسُهُمْ فِي البُلْدَانِ الَّتِي فَتَحُوهَا سَقَطُوا صَرْعَى سِحْرِ تِلْكَ اللُّغَةِ".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق