عندما يصبح الذل والإهانة معيشة يومية

يقول سي المهدي المنجرة رحمة الله عليه في مؤلفه 'الإهانة في عهد الميغا إمبريالية': تنبع الإهانة من إرادة واعية في التعدي على كرامة الآخرين، وليس فقط من الهيمنة، إنها أحد الأمور الأكثر انتشارا اليوم عالميا بفضل مستخدميها ومن يحافظون عليها، وهو الأمر الذي يُثير الأقل فالأقل من السخط من جانب الحكومات والشعوب الـمُهانة نفسها أو من طرف الرأي العالمي الدولي.
منذ أكثر من خمسين سنة، وكنا وقتها في إحدى ثانويات الدار البيضاء، أعطانا أستاذ اللغة الفرنسية موضوعا للإنشاء يقول: "احكوا كيف أحسستم لأول مرة بالسخط أمام مشهد للظلم"، ولا زلت أحتفظ إلى اليوم بورقة درس الإنشاء، كان أحد ماسحي الأحذية يعرض خدماته على أحد الزبائن على سطيحة إحدى المقاهي، غير أن الزبون رفضها لمرتين قبل أن يقوم بركله، تقدم ماسح الأحذية نحو شرطي كان شاهدا على الحدث، فشكى له ما تعرض له، فطلب منه الشرطي الذهاب إلى حال سبيله لأنه هو المخطئ، باعتبار أنه كان يتحرش بالزبون.
إنها قصة طبعت حياتي ولا زالت ماثلة أمام عيني حتى اليوم من خلال الظلم الذي يتعرض له ملايين الأشخاص عبر العالم، وقد توسع هذا الشطط بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وبزوغ عصر "الميغا إمبريالية" أي الإمبريالية العظمى بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وتحالفاتها ذات الهندسة المتنوعة، وهذه السلطة الجديدة ترتكز أساسا على الأسلحة والأنظمة الدكتاتورية في العالم الثالث، إنها شكل جديد من أشكال الفاشية، لا تترك حيزا كبيرا للتسامح واحترام الآخر، بل لا تترك حيزا للعدالة أيضا، وتعتبر سلاحا "للدمار الشامل" موجها ضد الكرامة، فإرهاب الدولة يمثل الأداة الجديدة "للدولة الفتاكة" التي ظهرت في الغاب الذي أشرق بالنظام العالمي.
إن درجة الإهانة التي تعيشها جهة ما أو بلد معين تساير مباشرة تساهل حكامها ودرجة فتور وخنوع جماهيرها، ففي مجال الذل يكمن جانب كبير من قوة الـمُذِلِّ  في كونه لا يلقى العقاب وأيضا في درجة استسلام وضعف الخاضعين للذل.
إننا نعيش أزمة أخلاقية حقيقية تُضاعِفُ من الآثار السلبية لكل أنواع الذل، وهي ناجمة عن الفقر والأمية والمرض وغياب العدالة الاجتماعية الكاملة وخرق حقوق الإنسان، وحين تبلغ هذه العوامل جميعها الحد الخطر فإن مظاهرها تتجلى للعيان، فيختل الاشتغال الاجتماعي، وتكثر الانفجارات والعصيان المدني والحنق الجماهيري، التي تؤدي إلى انفجار النظام، وآنذاك يتعلق الأمر بشرخ في الكرامة، وهذا ما أسميه "انتفاضة".
فالانتفاضات حتمية في العالم العربي والإسلامي، وما يؤشر لها هو التساؤل المستمر وهمهمات شكوى أسيَّة: أين هم حكامنا؟ أين هم مثقفونا ومبدعونا؟ ما الذي حدث لمناضلينا المدافعين عن "القضايا الكبرى"؟ أين هم المتحدثون باسم المجتمع المدني؟ إلى أي حد سيبلغ الارتزاق بنخبتنا؟ وأين ستصل بهم الوشاية وتجارة المخابرات؟ كيف نفسر سكونيتنا الخاصة والقبول بمذلة وطنية ودولية كهذه؟...فالذل الأكبر في نهاية المطاف هو حين لا نعود عارفين لمعنى الذل.
عندما أتحدث عن الإهانة، فإنني أقصد الإهانة المزدوجة: إهانة الغرب لنا ومعها إهانة الاستعمار، وهناك إهانة ذاتية تأتي ممن يقبلون بالإهانة الخارجية، وهي تسقط على المسؤولين عندنا جميعا، والخطير أن بعض المسؤولين يقومون بترجمة الإهانة التي يتلقونها من قبل الغرب ويعكسونها على شعوبهم، لذلك فإن الشعوب العربية تشعر بإهانة مضاعفة، من قبل الغرب ومن قبل المسؤولين، وتضاف لهما إهانة أخطر وهي الصادرة عن الفوارق الاجتماعية السائدة.
فالإهانة التي نعيشها أصبحت جزءا أساسيا في التركيب العقلاني للمجتمعات العربية، وأهم سبب وراء هذا التطور يكمن في أننا نقبل بها، هناك قابلية للإهانة بفعل تكريسها باستمرار، ونقبل بمسؤولين يقبلون بها.
إن العالم العربي والمسلم كله محتل، وأتحدى أي أحد يقول لي إن هناك دولة عربية مسلمة مستقلة، لا وجود لها بدون سيطرة أمريكية فيها، ونلمس ذلك من خلال كوميديات مؤتمرات القمة مثل قمة  الدول المسلمة أو الدول العربية، التي تجسد إلى أي درجة كونهم مسيرين من بعيد من طرف أمريكا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة...فليس هناك دولة عربية لم نجد فيها تصرف أمريكي عن طريق وجود جيوش، أو قواعد عسكرية، أو وجود استخبارات قوية في عين المكان.
 إننا مدعوون  اليوم إلى البحث عن وجودنا، عن كينونتنا، نحن في حاجة إلى حركة نهضوية تساعد العرب والمسلمين والعالم الثالث بأن يستعمروا أنفسهم بأيديهم، ما دمنا لم نعد نملك ذاتنا اليوم، عندما تقول إنك ترغب في تحرير نفسك، فهذا يفترض أصلا أنك موجود أو أنك كائن حي، ولكن ينقصك سيء جوهري لتفعيل هذا الوجود، وهو التحرر من شيء دخيل هجم عليك، ولكن الأمر مختلف عندما تكون كُلُّكَ مَأْكُولٌ، كما هو حالنا اليوم في العديد من الأقطار العربية والإسلامية، أقطار لا تملك نفسها...علينا أن نعيد استثمار أنفسنا، علماء النفس يؤكدون أننا نعيش عصر استلاب لا يتعلق بالفرد وحده في المجال العربي والإسلامي، ولكنه استلاب جماعي، ولا أعتقد أنه يوجد واحد منا كان يتخيل في يوم من الأيام أننا سنصل إلى درجة الابتعاد عن الذات إلى هذا الحد الذي وصلنا إليه اليوم، من خلال مسخ الهوية والذات، مما سهل ويسهل عمل الاستعمار. 
لقد علمني أبي رحمة الله عليه أن أقول لا وإذا اتضح أن هناك مبررات لقول نعم فلا بأس، لأنني إذا تعودت على قول نعم فيصعب علي قول لا بعد ذلك، وعلمني ألا أطأ مكانا تكون حلقته مغلقة، مثل التنظيمات التي لها شروط، علمني ألا أدخل للأمور التي لا تكون مفتوحة للجميع، مثل حزب أو جمعية إلخ....، وذلك تجنبا لنوع من الزبونية والميز دون بقية عباد الله، حيث تُقْفَلُ عَلَيْكَ الأَبْوَابُ وَتُنَزَّلُ هَوَائِيَّاتُكَ.
ضفاف متوهجة بتصرف عن:
الإهانة في عهد الميغا إمبريالية للمهدي المنجرة
المرجع:
الإهانة في عهد الميغا إمبريالية-تأليف المهدي المنجرة-الطبعة الخامسة 2007-الناشر المركز الثقافي العربي-الدار البيضاء-المغرب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق