كيف كنا وكيف أضحينا

كانت أوروبا في القرون الوسطى باعتراف معظم المؤرخين الغربيين عبارة عن أحراش وغابات كثيفة، وكان سكانها جد متخلفين حضاريا وثقافيا وزراعيا، وكانت تفوح من مدنها روائح عطنة وقاتلة من كثرة المستنقعات وسريان المياه العادمة في الأزقة الضيقة والشوارع، وتراكم مخلفات الحيوانات أمام المنازل المبنية من الطين المعجون بالقش، وكانت عواصم أنوارها مثل باريس ولندن ظلاما وأوساخا وقاذورات.
 في هذا الزمن بالذات كانت بلاد المسلمين بالأندلس تزخر بشتى المعارف والعلوم نتيجة الاعتناء الكبير الذي خص به حكام البلد العلم والمعرفة وتثقيف الأمة والسعي كي تحتل مكانة  رائدة تحت الشمس في العالم، فقاموا ببناء دور للكتب، وأنشأوا المدارس والمكتبات في كل ناحية، وسهروا على ترجمة الكتب المختلفة خاصة منها الإغريقية، ودرسوا العلوم الهندسية والرياضية والفلكية والطبيعية والكيميائية والفيزيائية والطبية والصيدلية والزراعية والهيدروليكية، بالإضافة إلى العناية أيضا بعلوم القرآن والحديث والفقه، والقضاء واللغة بآدابها وعلومها، والمعاجم والتراجم، والتاريخ والسيرة والجغرافيا، والمنطق والملل والنحل، والفلسفة والموسيقى.
ونتيجة لهذه الطفرة التي شهدتها أوروبا لأول مرة في تاريخها  أزهرت عقول نيرة أنارت دروبها المظلمة أيام جهلها وقذارنها، فأحيت فيها معنى الكرامة الإنسانية، ومعنى الحضارة والتمدن، ومعنى النظافة والجمال، وأذكر من بين هذه العقول على سبيل الذكر لا الحصر: ابن رشد، ابن زهر، ابن البيطار، ابن الوافد، أبي القاسم الزهراوي، ابن السراج، أحمد بن يونس بن أحمد الحراني، أبي جعفر محمد بن أحمد الغافقي، ابن طفيل، أبي العباس بن الرومية، ابن باجة، محمد بن عبد الله بن مسرة، عباس بن فرناس، أبي عبيدة البلنسي،  لسان الدين بن الخطيب، ابن حزم،عبد الملك بن حبيب السلمي، أبي علي القالي، ابن القوطية ومحمد بن حارث الخشني، واللائحة طويلة ولا يسمح لا المقام ولا المقال لحصرها جميعها.
وبفعل هذا التقدم الإسلامي المذهل توافدت على الأندلس بعثات طلابية من مختلف أنحاء أوروبا للنهل من معين العلوم العربية الفياض بلغة عربية فصحىى، حيث كان هؤلاء الطلاب يتسابقون ويتفاخرون فيما بينهم للنطق بلسان عربي فصيح، ومن هنا كانت انطلاقة النهضة الأوروبية.
اليوم وكما قال الشاعر حافظ إبراهيم رحمة الله عليه متحدثا باسم اللغة العربية الفصحى:  "لَـمَّا لَمْ أَجِدْ لِعَرَائِسـِــــي رِجَالاً وَأَكْفَاءً وَأَدْتُ بَنَاتِــي"، صرنا نرمي بأنفسنا إلى التهلكة  ليس من أجل النهل من علوم أوروبا ومعارفها وحملها إلى بلداننا لمساعدتها على اجتياز هذه المرحلة الصعبة التي تجتازها، ثم السعي بعد ذلك للنهوض بها من جديد لمواكبة التقدم العالمي في كل الميادين، وإنما من أجل البقشيش.
إن جميع من يخاطرون اليوم بحيواتهم في خضم أمواج البحر الأبيض المتوسط للهجرة بطريقة غير شرعية نحو أوروبا-سواء بوسائلهم الخاصة أو عن طريق مبالغ مالية يدفعونها لعصابات التهريب والاتجار بالبشر-من بعدما يئسوا من سياسة بلدهم  تجاههم-ونتيجة لفقدانهم الأمل في السياسة والسياسيين وانسداد الآفاق أمامهم، وأضحت أهدافهم مادية فقط تنحصر في تلبية احتياجاتهم الشخصية الصرفة الدنيا ليس إلا، ولا يمكن مطلقا الاعتماد على جيل مدمر نفسيا وحاقد وساخط على الجميع في شيء آخر يتجاوز ذاته ومصلحته الشخصية الأنانية، وهذا أمر صادم وخطير في آن واحد، ولا يليق بسمعة أي بلد يسعى إلى تحقيق تنمية شاملة، ومن تم الرقي والتقدم واحتلال مراتب مشرفة بين دول العالم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق