كل إنسان إبن بيئته وموشوم بعلامة جماعته

توفي عالمان أحدهما فرنسي والآخر هندي إثر حادثة سير، وتم دفنهما بإحدى المقابر في قبرين متجاورين، وكان لكل منهما قريب لا يتخلف عن زيارته أسبوعيا، فالفرنسي كان يحضر متأنقا وهو يحمل باقة من الورد، فيقوم بوضعها على قبر قريبه، أما الهندي فكان يحضر رث الثياب لا يولي أي اهتمام لمظهره الخارجي، ويحمل معه صحنا من الأرز يقوم بوضعه هو الآخر على قبر قريبه.
مرت أيام وشهور وهما على هذه الحال، حتى حدث يوما أن انتبه الفرنسي إلى الهندي الذي يقف بالقرب من قبر قريبه، فأراد أن يسخر منه على الطريقة الفرنسية الاستعلائية التهكمية وقال له: متى سيقوم قريبك ليأكل صحن الأرز هذا؟ فنظر إليه الهندي بكل هدوء وفهم قصده فرد عليه بالمثل: عندما يقوم قريبك لِيَشُمَّ باقة الورد.
إن الإنسان ابن بيئته، وتقوم حياته وتمشي منذ ولادته حتى مماته وفقا لمعتقدات وقيم وعادات وجد عليها آباءه وأجداده، تشكل بالنسبة له منظومته الفكرية والعقائدية التي تعتبر بالنسبة له مرجعيته وقاعدته البياناتية التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ويحسبها أفضل وأكمل ما يوجد على وجه الأرض، ومنها ينطلق ليزن ويحكم بشكل قطعي ومتسرع على الآخرين، فمن خالفها فهو مخطأ ومن وافقها فهو على صواب.
ولعل الكاتب الليبي الصادق النيهوم كان على صواب عندما قال بأن الإنسان يصل إلى هذا العالم عاريا وأخرس باستثناء صيحته الأولى عند خروجه من الرحم  التي تسمح له بالتنفس والانتقال من مخلوق مائي إلى مخلوق بري، لأن الله سبحانه  وتعالى يعرف أن أي إنسان لا يحتاج إلى عمامة أو قبعة مزينة بالريش، ولا يحتاج أيضا إلى أن يتكلم لغة خاصة، أو يميز نفسه بعلامة تجارية مثل علبة السردين، لأن ذلك كله مجرد حل اجتماعي تتبناه الجماعات المختلفة، من القرود والنمل وعجول البحر على السواء، لكي تدبر أمر بقائها في أفضل صيغة ممكنة، فالجماعة تضع علامتها فوق الإنسان كما تضعها فوق الماشية، وكما تضعها أيضا على حدودها الإقليمية لكي تصون وحدتها من جهة، وتتجنب الفوضى العامة من جهة أخرى.
غير أن الخطير في الأمر هو أن تتحول هذه العلامة التي تضعها الجماعة على كل مولود جديد يحل بين ظهرانيها إلى تعصب وكراهية وحقد وتهكم واستهزاء واحتقار لجميع من يخالفونها معتقداتها وقيمها وأفكارها وعاداتها وتقاليدها.
يقول الفيلسوف الفرنسي فراسوا فولتير إنه لـمـنتهى الحمق أن يَدَّعِي مُدَّعٍ أنه قادر على حمل البشر قاطبة على التفكير بطريقة واحدة في شؤون الميتافيزيقيا، فتطويع الكون برمته بقوة السلاح أسهل بما لا يُقاس من تطويع العقول في مدينة واحدة.
لذلك لم يتوان فولتير في توصيف التعصب بأنه جنون ديني كئيب فظ، ومرض يُصيب العقل ويُعدي كما يُعدي الـجُذَري، وتنقله الكتب أقل مما تنقله الاجتماعات والخُطَب، إذ من النادر أن يحتد المرء وهو يقرأ لأن أعصابه تكون هادئة، ولكن حينما يخطب شخص متحمس ذو خيال قوي في أناس ذوي عقول ضعيفة، فإن عيناه تقذف النار التي تدب في السامعين، كما تؤثر حركاته ونبراته في أعصابهم، ويصيح الخطيب إن الله يراكم فجاهدوا في سبيله، فيذهبون ويجاهدون.
ويُضيف فولتير بأن ليس هناك من دواء لهذا الداء المقيم إلا الفكر الفلسفي، الذي إذا انتشر من جهة إلى أخرى أدى إلى تلطيف أخلاق البشر وهدأ من حدة المرض، إذ على المرء أن يهرب حينما يستشري هذا الداء وينتظر حتى يطهر الجو، فلا القوانين ولا الدين كافية لمحاربة هذا الطاعون الذي يُصيب الأنفس.
فالدين ينقلب سُـمّاً ناقعاً في الأدمغة المصابة بالتعصب عوض أن يكون بلسماً لها، والقوانين عاجزة كل العجز إزاء هذا السُّعَارِ، والمتعصبون مقتنعون بأن روح القدس قد حل فيهم وهو فوق القوانين، وليس من قانون إلا حماسهم واندفاعهم، فما الذي يمكن قوله لشخص يقول إنه يفضل طاعة الله على طاعة البشر؟ فهو واثق من دخوله الجنة حين يذبحك ويذبحني. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق